علي بن أحمد المهائمي

93

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وصدق في حقه السرمد ، وهو اتصال الأزل بالأبد . والحاصل أن الوجوب الذاتي أوجب له الفناء الذاتي ، والأزل والقدم ، والأزلية بمعنى : كونه مستند إليه للكل في البداية والأخروية بمعنى : كونه مستند إليه في النهاية . ( ثم ) أي : بعد ما علمت أنه ظهر فينا بصفات لا تختص بالوجوب الذاتي إما بصورها ، أو آثارها ، أو ما يتعلق بها ( ليعلم أن الحق وصف نفسه ) أي : بين من أوصافه في كتابة الكريم ( أنه ظاهر وباطن ) حيث قال : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] ، ولما لم يكن لهما اختصاص بالوجوب الذاتي لم يكن بد من ظهورهما في العالم ، وإن كان يتوهم أن ظهور الظاهر كتحصيل الحاصل ، وأن ظهور الباطن كالجمع بين النقيضين ( فأوجد العالم ) الكبير والصغير ( عالم غيب ) الأرواح الإنسانية والملائكة ، ( وعالم شهادة ) الأجسام الفلكية والعنصرية ، وأعراضها ( فندرك الباطن ) أي : باطن الحق ( بغيبنا ، وندرك الظاهر بشهادتنا ) ، وهذا هو لظهورها بالصورة ، ولتعلم أيضا أنه ( وصف نفسه بالرّضا والغضب ) بحيث قال : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المجادلة : 22 ] ، لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [ الفتح : 18 ] ، وقال : وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [ النساء : 93 ] ، وقال : فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [ النحل : 16 ] . ولما لم يكن لهما اختصاص بالوجوب الذاتي لم يكن لهما بد من الظهور وبصورهما وآثارهما أو ما يتعلق بآثارهما ( فأوجد العالم ) لظهور ما يتعلق بآثارهما ( ذا خوف ورجاء فنخاف ) أثر ( غضبه ، ونرجو ) أثر ( رضاه ) ولم يتعرض لظهور صورهما وآثارهما لوضوحه ، ولتعلم أيضا أنه ( وصف نفسه بأنه جميل ذو جلال ) والجمال من صفات اللطف ، والجلال من صفات القهر ولما لم يكن لهما اختصاص بالوجوب الذاتي لم يكن بد من ظهورهما بصورهما وآثارهما أو متعلقهما ، ( فأوجدنا ) لظهور آثارهما ( على هيبة ) من الجلال ( وأنس ) من الجمال قدم الجميل أولا ؛ لأنه أقرب إلينا ؛ لأن دنو الحق من الخلق به ، ثم عكس في مثال يشعر بأصالة الجلال . [ وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ويسمّى به ، فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللّتين توجّهتا منه على خلق الإنسان الكامل ، لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته ، فالعالم شهادة والخليفة غيب ، ولهذا يحجب السّلطان ، ووصف الحقّ نفسه بالحجب الظّلمانيّة ، وهي الأجسام الطّبيعيّة الكثيفة ؛ والنّوريّة وهي الأرواح اللطيفة والعقول والنّفوس وعالم الأمر والإبداع ، فالعالم بين كثيف ولطيف ، فلا يدرك الحقّ إدراكه نفسه ، فلا يزال في حجاب لا يرفع ، مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره إليه ، ولكن